مصطفى لبيب عبد الغني

49

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

والمنهج العلمي ، بقواعده المحددة والمتفق عليها ، لا يكفى وحده في تقدم العلم ، بل لا بد من الأفكار الصائبة ابتداء ، والمنهج لا يثمر عند من خلت أذهانهم من هذه الأفكار ، وهو « لا يفيد إلّا في توجيه الأفكار عند من تخطر لهم ، وفي العمل على تنميتها ، ليستخلصوا منها خير ما يستطيعون أن يستخلصوه من النتائج الممكنة » « 1 » . وقد التفت الرازي إلى هذا المعنى فنراه يقول في كتاب « المرشد أو الفصول » : « من زاول المرضى من غير أن يقرأ الكتب يفوته ويذهب عنه دلائل كثيرة ، ولا يشعر بها البتة ، ولا يمكن أن يلحق بها في مقدار عمره ، ولو كان أكثر الناس مزاولة للمرضى ، ما يلحق بقارئ الكتب أدنى مزاولة ، فيكون كما قال الله عزّ وجلّ ، « وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ » « 2 » . والرازي يوجب على المشتغل بالعلم استقصاء معارف السابقين وبذل أقصى ما يمكن في ذلك من جهد ، وضرورة الاستفادة من هذه المعارف وتحرى الحق فيها . ولعل من الأمثلة التي تكشف عن هذا المنحى المنهجي الأصيل عنده ما أثبته في رسالته الرائعة عن الجدري والحصبة - والدرّة الفريدة في جيد الطب العربي - حيث يقول : « إن من قال من الأطباء إن الفاضل جالينوس لم يذكر الجدري ولم يعرفه البتة فإنه ممن لم يقرأ كتب جالينوس أو ممن مر عليها صفحا » « 3 » . وآية الجد في الاستقصاء يكشف عنها قوله : على أنى قد أطلت واستقصيت سؤال أهل اللغة السريانية واليونانية عن ذلك ( يقصد ذكر علاج الجدري في كتب جالينوس ) فلم يكن منهم ولا واحد زادنى على ما ذكرت بل أكثرهم لم يعرف ما ذكرته فضلا عن أن يزيد عليه ، وإني لمتعجب من ذلك وكيف تجاوز جالينوس هذا المرض مع كثرة حدوثه وشدة الحاجة إلى علاجه وحرصه علي ذكر أسباب الأمراض وعلاجها » « 4 » .

--> ( 1 ) برنارد ، كلود : « مدخل إلى دراسة الطب التجريبى » ص 34 . ( 2 ) قرآن كريم : سورة يوسف آية 105 وراجع : الرازي : « المرشد أو الفصول » ص 119 . ( 3 ) الرازي : " كتاب الجدري والحصبة " ص 3 ، نشرة محمود نجم‌آبادى ، انتشارات دانشكاه تهران ، 1344 . ( 4 ) قارن في ذلك ما يذهب إليه العلماء المعاصرون من ضرورة تتبع المؤلفات العلمية على " أن تكون القراءة مصحوبة باتجاه ذهني ناقد متفحص إذا أريد المحافظة على النزعة الابتكارية -